المظلوم
23-05-2010, 11:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم:
السلام عليكم:
صحيح أن الشرع الإسلامي نهي عن الاختلاف و الفرقة و ذمها. فمن ذلك قوله تعالي: (و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا) آل عمران 105.
و قوله: ( و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) آل عمران 103
إلا أن هذا النهي عن الاختلاف و التفرقة ليس في كل الدين, بل هو في أصوله لا في فروعه و ذلك من وجوه:-
الوجه الأول: أن النهي و الذم في هذه النصوص عن الاختلاف الذي يشابه اختلاف الكفار في دينهم و هو في أصول الدين.
الوجه الثاني: أن السنة دلت علي أجازة الاختلاف, في فروع الدين و ليس في أصوله.
الوجه الثالث: اختلاف و تنازع الصحابة فيما بينهم, كان في فروع الدين و ليس في أصوله. و لم ينكر عليهم أحد منهم.
الوجه الرابع: أن التابعين و تابعيهم و علماء السلف قد أقروا الاختلاف في الفروع دون الأصول.
الوجه الأول:
و هو الاختلاف الذي أختلفه الكفار فيما بينهم و هو في أصول الدين لا في فروعه و لذلك ذمه الله –عز و جل- و عابه عليهم, كاختلافهم في أنبيائهم, و اختلافهم في البعث و النشور, و اختلافهم في الحياة و الموت, و اختلافهم في كتبهم, حتى أصبحوا فرقا و شيعا و أحزابا, كل حزب بما لديهم فرحون, كل فرقة بعقيدتهم فرحة.
فمنهم من أعتقد أن المسيح أبن الله, و منهم من أعتقد أن العزير أبن الله, و منهم من أعتقد أنه لن تمسه النار ألا أياما معدودة, فهذا و أمثاله الذي جعلهم يتفرقوا في الدين و جعلهم شيعا و أحزابا كافرة تركت دينها و تفرقت فيه و تأولته علي حسب هواها. و هذا الذي ذمه الله –عز وجل- و نهي عن الاختلاف فيه, و هو في أصول الدين و عقائده لا في فروعه, فقال – سبحانه- محذرا إيانا من هذا الاختلاف الذي أختلفوه (و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) و قوله: ( منيبين أليه و اتقوه و أقيموا الصلاة و لا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون).
الوجه الثاني:
و هو السنة, و هي ما ورد عن الرسول الله صلي الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير.
و أما دليلها علي أجازة الاختلاف في فروع الدين لا في أصوله:-
أولا: أقراره- عليه الصلاة و السلام- لصحابته يوم الخندق حينما أراد غزو بني قريضة فقال ( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة) فمن الصحابة من صلاها في الطريق, و منهم من أخرها إلى أن وصل بني قريضة, فأقرهم الرسول – صلي الله عليه و سلم- علي فهمهم هذا و اختلافهم هذا, و لم يعنف عليهم, و لم ينكر عليهم ذلك, مما يدل علي إباحة مثل هذا الاختلاف, و هو في الفروع كما نلاحظ, و ليس في الأصول.
ثانيا: قوله –عليه الصلاة و السلام- أذا أجتهد الحاكم فأصاب فله أجران, و أذا أجتهد فأخطاء فله أجر. و هذا كله في فروع الدين و ليس في أصوله, و لا في ما هو قطعي.
أما الفرق بين أصول الدين و فروعه و بين القطعي و الظني فكالآتي:
أصول الدين: هي المسائل الأعتقادية, و هي قسمان:
القسم الأول: ما يتوصل إليه بالنظر و الاستدلال و يسمي بالمسائل العقلية أي التي يتوصل أليها عن طريق العقل و الإدراك : كالأيمان بالله, و الأيمان بأن القرآن من عند الله, و الأيمان بأن محمدا رسول الله.
القسم الثاني: ما يتوصل إليه عن طريق النقل و الأخبار و يسمي بالمسائل النقلية كالأيمان بالملائكة و بالجنة و النار و كالأيمان بالبعث و النشور و كالأيمان بالتوراة و الإنجيل و الزبور و كالأيمان بإبراهيم و موسي و عيسي و غير ذلك مما نقل إلينا نقلا عن طريق القرآن أو الحديث المتواتر.
أما فروع الدين: فهي المسائل الفقهية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية و هي قسمان:
الأول: مسائل قطعية في الثبوت و الدلالة.
الثاني: مسائل ظنية في الثبوت أو الدلالة أو كلاهما معا.
أما المسائل القطعية في الثبوت: فهي التي تكون قطعية في ثبوتها عن الله و رسوله أي أن تكون من القرآن أو الحديث المتواتر.
و المسائل القطعية في الدلالة: التي تكون قطعية في دلالتها أي في معناها و لا تأخذ إلا معنى واحدا كتحريم الخمر و تحريم الزنا و تحريم الربا و تحريم الجمع بين الأختين كل ذلك و أمثاله ثابت قطعا و لا يحتمل إلا معني واحدا.
و أما القسم الثاني من الفروع: و هو المسائل الظنية و هي قسمان كذلك:
القسم الأول: ظني في الثبوت.
القسم الثاني: ظني في الدلالة.
أما ظني الثبوت: فهي المسائل التي لم تصل إلى التواتر و القطع في ثبوتها و ذلك كالنصوص غير المتواترة عن رسول الله صلي الله عليه و سلم فهي ليست قطعية في ثبوتها كخبر الآحاد و المشهور.
أما ظني الدلالة: فهي المسائل التي تحتمل أكثر من معني و لو كانت قطعية في ثبوتها و هذا موجود في القرآن كما هو في السنة المتواترة و غير المتواترة و هو كثير.
فمحل الاختلاف و التنازع الذي أجازه الشرع هو في القسم الثاني من الفروع و هو في المسائل الظنية بفرعيها الثبوت و الدلالة.
فلا خلاف في الأصول و لا في ما ثبت بطريق القطع و لا يحتمل إلا معني واحد. و الخلاف في الظني.
و قد قال الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة: الاختلاف من وجهين أحدهما محرم و لا أقول ذلك في الآخر فكل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو علي لسان نبيه منصوصا بينا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه. و ما كان من ذلك يحتمل التأويل و يدرك قياسا فذهب المتأول أو القايس إلى معني يحتمله الخبر أو القايس و أن خالفه غيره لم أقل أنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص.
و قال إمام الحرمين في شرح الورقات للجويني: و لا يجوز أن يقال كل مجتهد في الأصول الكلامية أي العقائد مصيب.
و يقول أبن عبد البر (جامع بيان العلم و فضله): و نهي السلف رحمهم الله عن الجدال في الله جل ثناؤه في صفاته و أسمائه و أما الفقه فأجمعوا علي الجدال فيه و التناظر لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع علي الأصول للحاجة إلى ذلك و ليس الاعتقادات كذلك.
و يقول أبو بكر أبن العربي في كتابه أحكام القرآن المجلد الأول: التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: التفرق في العقائد لقوله تعالي: (أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه).
الثاني : قوله عليه السلام: لا تحاسدوا و لا تدابروا و لا تقاطعوا و كونوا عباد الله أخوانا.
الثالث: ترك التخطئة في الفروع و التبري فيها و ليمض كل أحد علي اجتهاده فأن الكل بحبل الله معتصم, و بدليله عامل.
و قال: أن الحكمة في ذلك أن الاختلاف و التفرق المنهي عنه إنما هو المؤدي إلى الفتنة و التعصب و تشتيت الجماعة.
فأما الاختلاف في الفروع فهو من محاسن الشريعة و استدل بالحديث الشريف: إذا أجتهد الحاكم.
و قال القرطبي في تفسيره لآية: ( و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا) ليس فيها دليل علي تحريم الا
السلام عليكم:
صحيح أن الشرع الإسلامي نهي عن الاختلاف و الفرقة و ذمها. فمن ذلك قوله تعالي: (و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا) آل عمران 105.
و قوله: ( و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) آل عمران 103
إلا أن هذا النهي عن الاختلاف و التفرقة ليس في كل الدين, بل هو في أصوله لا في فروعه و ذلك من وجوه:-
الوجه الأول: أن النهي و الذم في هذه النصوص عن الاختلاف الذي يشابه اختلاف الكفار في دينهم و هو في أصول الدين.
الوجه الثاني: أن السنة دلت علي أجازة الاختلاف, في فروع الدين و ليس في أصوله.
الوجه الثالث: اختلاف و تنازع الصحابة فيما بينهم, كان في فروع الدين و ليس في أصوله. و لم ينكر عليهم أحد منهم.
الوجه الرابع: أن التابعين و تابعيهم و علماء السلف قد أقروا الاختلاف في الفروع دون الأصول.
الوجه الأول:
و هو الاختلاف الذي أختلفه الكفار فيما بينهم و هو في أصول الدين لا في فروعه و لذلك ذمه الله –عز و جل- و عابه عليهم, كاختلافهم في أنبيائهم, و اختلافهم في البعث و النشور, و اختلافهم في الحياة و الموت, و اختلافهم في كتبهم, حتى أصبحوا فرقا و شيعا و أحزابا, كل حزب بما لديهم فرحون, كل فرقة بعقيدتهم فرحة.
فمنهم من أعتقد أن المسيح أبن الله, و منهم من أعتقد أن العزير أبن الله, و منهم من أعتقد أنه لن تمسه النار ألا أياما معدودة, فهذا و أمثاله الذي جعلهم يتفرقوا في الدين و جعلهم شيعا و أحزابا كافرة تركت دينها و تفرقت فيه و تأولته علي حسب هواها. و هذا الذي ذمه الله –عز وجل- و نهي عن الاختلاف فيه, و هو في أصول الدين و عقائده لا في فروعه, فقال – سبحانه- محذرا إيانا من هذا الاختلاف الذي أختلفوه (و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) و قوله: ( منيبين أليه و اتقوه و أقيموا الصلاة و لا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون).
الوجه الثاني:
و هو السنة, و هي ما ورد عن الرسول الله صلي الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير.
و أما دليلها علي أجازة الاختلاف في فروع الدين لا في أصوله:-
أولا: أقراره- عليه الصلاة و السلام- لصحابته يوم الخندق حينما أراد غزو بني قريضة فقال ( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة) فمن الصحابة من صلاها في الطريق, و منهم من أخرها إلى أن وصل بني قريضة, فأقرهم الرسول – صلي الله عليه و سلم- علي فهمهم هذا و اختلافهم هذا, و لم يعنف عليهم, و لم ينكر عليهم ذلك, مما يدل علي إباحة مثل هذا الاختلاف, و هو في الفروع كما نلاحظ, و ليس في الأصول.
ثانيا: قوله –عليه الصلاة و السلام- أذا أجتهد الحاكم فأصاب فله أجران, و أذا أجتهد فأخطاء فله أجر. و هذا كله في فروع الدين و ليس في أصوله, و لا في ما هو قطعي.
أما الفرق بين أصول الدين و فروعه و بين القطعي و الظني فكالآتي:
أصول الدين: هي المسائل الأعتقادية, و هي قسمان:
القسم الأول: ما يتوصل إليه بالنظر و الاستدلال و يسمي بالمسائل العقلية أي التي يتوصل أليها عن طريق العقل و الإدراك : كالأيمان بالله, و الأيمان بأن القرآن من عند الله, و الأيمان بأن محمدا رسول الله.
القسم الثاني: ما يتوصل إليه عن طريق النقل و الأخبار و يسمي بالمسائل النقلية كالأيمان بالملائكة و بالجنة و النار و كالأيمان بالبعث و النشور و كالأيمان بالتوراة و الإنجيل و الزبور و كالأيمان بإبراهيم و موسي و عيسي و غير ذلك مما نقل إلينا نقلا عن طريق القرآن أو الحديث المتواتر.
أما فروع الدين: فهي المسائل الفقهية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية و هي قسمان:
الأول: مسائل قطعية في الثبوت و الدلالة.
الثاني: مسائل ظنية في الثبوت أو الدلالة أو كلاهما معا.
أما المسائل القطعية في الثبوت: فهي التي تكون قطعية في ثبوتها عن الله و رسوله أي أن تكون من القرآن أو الحديث المتواتر.
و المسائل القطعية في الدلالة: التي تكون قطعية في دلالتها أي في معناها و لا تأخذ إلا معنى واحدا كتحريم الخمر و تحريم الزنا و تحريم الربا و تحريم الجمع بين الأختين كل ذلك و أمثاله ثابت قطعا و لا يحتمل إلا معني واحدا.
و أما القسم الثاني من الفروع: و هو المسائل الظنية و هي قسمان كذلك:
القسم الأول: ظني في الثبوت.
القسم الثاني: ظني في الدلالة.
أما ظني الثبوت: فهي المسائل التي لم تصل إلى التواتر و القطع في ثبوتها و ذلك كالنصوص غير المتواترة عن رسول الله صلي الله عليه و سلم فهي ليست قطعية في ثبوتها كخبر الآحاد و المشهور.
أما ظني الدلالة: فهي المسائل التي تحتمل أكثر من معني و لو كانت قطعية في ثبوتها و هذا موجود في القرآن كما هو في السنة المتواترة و غير المتواترة و هو كثير.
فمحل الاختلاف و التنازع الذي أجازه الشرع هو في القسم الثاني من الفروع و هو في المسائل الظنية بفرعيها الثبوت و الدلالة.
فلا خلاف في الأصول و لا في ما ثبت بطريق القطع و لا يحتمل إلا معني واحد. و الخلاف في الظني.
و قد قال الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة: الاختلاف من وجهين أحدهما محرم و لا أقول ذلك في الآخر فكل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو علي لسان نبيه منصوصا بينا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه. و ما كان من ذلك يحتمل التأويل و يدرك قياسا فذهب المتأول أو القايس إلى معني يحتمله الخبر أو القايس و أن خالفه غيره لم أقل أنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص.
و قال إمام الحرمين في شرح الورقات للجويني: و لا يجوز أن يقال كل مجتهد في الأصول الكلامية أي العقائد مصيب.
و يقول أبن عبد البر (جامع بيان العلم و فضله): و نهي السلف رحمهم الله عن الجدال في الله جل ثناؤه في صفاته و أسمائه و أما الفقه فأجمعوا علي الجدال فيه و التناظر لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع علي الأصول للحاجة إلى ذلك و ليس الاعتقادات كذلك.
و يقول أبو بكر أبن العربي في كتابه أحكام القرآن المجلد الأول: التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: التفرق في العقائد لقوله تعالي: (أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه).
الثاني : قوله عليه السلام: لا تحاسدوا و لا تدابروا و لا تقاطعوا و كونوا عباد الله أخوانا.
الثالث: ترك التخطئة في الفروع و التبري فيها و ليمض كل أحد علي اجتهاده فأن الكل بحبل الله معتصم, و بدليله عامل.
و قال: أن الحكمة في ذلك أن الاختلاف و التفرق المنهي عنه إنما هو المؤدي إلى الفتنة و التعصب و تشتيت الجماعة.
فأما الاختلاف في الفروع فهو من محاسن الشريعة و استدل بالحديث الشريف: إذا أجتهد الحاكم.
و قال القرطبي في تفسيره لآية: ( و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا) ليس فيها دليل علي تحريم الا