م.ع.ح.ب
29-03-2010, 07:49 PM
قيدون
هي من قدامى البلاد ، و هي موطن الشيخ الكبير سعيد بن عيسى العمودي ، و هو و الفقيه المقدم أول م سلك طريق التصوف بحضرموت ، و قد ترجمه غير واحد من أهل العلم كالشرجي في (( طبقاته )) و اليافعي في (( تاريخه )) و صاحب (( المشرع )) و عبد الله بازرعة ، و ممن ألف في مناقبه الشيخ علي بن عبدا لله باعكابه الهينني و الشيخ عبد الله باسودان ، و كان صادعا بالحق لا يخاف فيه لومة لائم ، وكان كثير التردد على حضرموت حتى لقد قال السيد علي بن حسن العطاس في كتابه (( القرطاس )) : لا اله إلا الله عدد خروج الشيخ سعيد بن عيسى العمودي إلى حضرموت ، ولم يزل يسلك الطالبين ويوصل الراغبين إلى أن توفى بقيدون سنة 671 هـ .
و خلفه على منصبه ولده الشيخ محمد بن سعيد ، وما زال أبناءه يتوارثون منصبه حتى انتهى إلى دولة ورئاسة دنيويه ، فاختلفوا وانقسموا – كما سبق في بضه – وجرت بينهم وبين آل فارس النهديين وبينهم وبين السلطان بدر بوطويرق الكثيري حروب ، وتقلبت بقيدون الأحوال حتى لقد خربت حوالي سنه 948 من كثرة ما اخذ بدر بوطويرق الكثيري من أهلها من الضرائب ، ولم يبق فيها إلا ستة ديار وهرب الباقون من أهلها إلى صيف ، وهنا شاهد على ان صيف لم تكن إذ ذاك في حوزته ، وجرت بين آل العمودي و أعقاب بدر إلى أيام السلطان عمر بن جعفر الكثيري – المتوفي بعمان أوائل القرن الثاني عشر – أحوال كثيرة ذكرنا بالأصل نتفاً منها كافية للتعريف .
و قد أنجبت قيدون كثيرا من العلماء والفضلاء ، وكان السيد يوسف بن عابد الحسني – احد تلاميذ الشيخ أبي بكر بن سالم – يدرس بها علم التوحيد أوائل القرن الحادي عشر . ومن علمائها في القرن العاشر الشيخ محمد بن عمر معلم، له ذكر في مجموع الأجداد، و منهم الشيخ عبد الله بن سعيد العمودي في أيام القطب الحداد، و قد امتحنه بشرح خطبه معقده فشرحها شرحا جميلا قضى له فيه القطب الحداد بالنجاح. و فيها من ذرية السيد محمد بن عبد الله بن علوي الحداد : الفاضل الصالح الحسن الخط عمر بن أبي بكر المتوفي بها ، وخلفه إبنه الناسك الكريم طاهر بن عمر الحداد المتوفي بها سنه 1319 ، كان آيه في حفظ القران ، و كانت في لسانه حبسه شدده ، حتى لقد أراد أن يعقد الإحدى بناته فلم ينطلق لسانه إلا بعد إفراغ الطعام و كانت العاده و السنه تقديم العقد عليه ، فلم يؤخره إلا اضطرارا ، و لكنه متى شرع في القراءة في الصلاة أو خارجها اندفع بسرعة السهام المرسلة . ولما مات ولده محمد تحاشى الناس عن إخباره لأنه الأمر العظيم، لكنه لم يظهر – بعد ما اخبروه – إلا بأكمل ما يكون من مظاهر الرضا التام فلم ينزعج ، ولم يتغير ، ولم يحل حبوته و زاد على الاسترجاع و الاستغفار للفقيد والترحم عليه فذكرت ما رواه أبو نعيم وغيره انه لما مات عمر بن ذر جاء أهله يبكون إلى أبيه فقال لهم : مالكم أنا والله ما ظلمنا ولا قهرنا ولا ذهب لنا بحق ولا اخطئ بنا ولا أريد غيرنا ومالنا على معتب ، فلما وضعه في قبره قال : رحمك الله يا بني لقد كنت بي باراً وكنت عليك شفيقا وما بي من وحشه ولا الى احد بعد الله فاقه ولا ذهبت لنا بعز ولا أبقيت علينا من ذل ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك .. يا ذر لولا هول المطلع لتمنيت ما صرت إليه ليت شعري يا ذر ماذا قيل لك وماذا قلت.
وكذلك الحبيب طاهر لم يزل على الترحم على ولده ولاستغفار له. أما ولده محمد بن طاهر الحداد فقد كان طود المجد الراسخ ، وركن الشرف الشامخ ، تتحير الفصحاء في اخبراه و تندق أعناق الجياد في مضماره :
مـنـتـقل من سـؤدد فـي سـؤدد مـثـل الــهـلال جـرى إلـى اسـتكماله
ولم يزل يتوقل إلى العلى و يتسنم معارج الغرف :
ويـبـيت يـحـمل بـالمكـارم و الـعـلى حـتى يـكون المـجد جـل مـنـامه
لا يصعد قله إلا ارتقى ذراها ثم اندفع إلى ما وراءها
ما زال يـسـبـق حـتـى قـال حـاسـده لـه طـريـق إلى العـلـياء مـخـتـصـر
ينقطع دونه الكلام و تتحير في وصفه الأقلام:
لام أجر غاية فكي منه في صفه إلاَّ وجـدت مـداهـا غـاية الأبـــد
له همم تنفسخ منها الجبال فضلا عن قوائم الرجال :
هـمـة تـنـطح الـنـجوم بـروقـيـ ـهـا وعـزُّ يـقــلـقـل الاجـبالا
وقد بلغ من شهامته وكبر همته انه كان يحاول إغناء العلويين بحضرموت من أدناها إلى أقصاها مع ما تحمله من الديون التي أثقلت كاهلها ، أشار عليه أبوه – من اجلها – أن يتوجه إلى حيدر آباد ، و كان له بها قدر عظيم ، وشان فخيم ، وأسلم على يده كثير من الناس ، إلا انه كان بين جنبيه نفس عظيمه غالى بها من الكرام حتى لم يكن الطغرائي إلا كالسوقه في جنب الملوك ، حيث يقول :
غـالى بنـفـسـي عرفـاني بـقيـمتـها فـصـنـتـهـا عـن رخـيص القدر مبتذل
فوقع بذلك وبموافقته للعلامتين : أبي بكر بن شهاب و محمد بن عقيل في الإعراض عن السلطان عوض بن عمر القعيطي ، بعد أن لاقاه واستعد لإنزاله في قصره ، و عمل لقدومه ضيافة عظيمة ، فتركها ، وكان في ذلك تمهيد السبيل لمن كان يحسده من العلويين ، ففتلوا في الذرى و الغوارب لفشله ، فلم يقع له ما يروم من أمله ، ولم يتيسر قضاء دينه إلا بعد انقضاء اجله . و منهم – حسبما يتعالم الناس – حسين و حسين و أبو حسين. و لا ادري كم كان عدد العلويين يومئذٍ بحضرموت ؟ . أمّا في زمان القطب الحداد فقد ذكر ابن حميد في (( تاريخه )) أنها وصلت دراهم من الهند للعلويين فأمر الحداد بإحصائهم في سنه 1118 هـ فبلغوا نحو ألفين بعد الصغار و الكبار و الذكور و الإناث ، من السوم شرقا إلى هينن غربا ، و العجب أنهم لم يدخلوا دوعن مع أنهم من حضرموت ، فلعل الدراهم مخصوصة بأهل هذه الناحية و إلا أشكل الأمر . و أما في سنه 1202 فقد بلغ عددهم عشرة آلاف ، إذ جاءت صله صاحب المغرب ودفعوا لمن بدوعن ومن بالشحر ومن بأسفل حضرموت حسبما فصلناه بالجزء الأول من الأصل . وفي حدود سنة 1311 اصفق العلويون ، ومنهم سيدنا الاستاذ الأبر فمن دونه ، على تقديم صاحب الترجمة السيد محمد بن طاهر الحداد ، فوضعوا في كفه لواء نقابتهم و على رأسه عصابة شرفهم ، و على منطبه رداء زعامتهم ، واسجلوا له بذلك على انفسهم ، وكتبروا بذلك عهدا وثيقا ، فكان كما قال ذو الرمه :
وما زِلْتَ تَـسْـمُـو للـمـعـالي و تـجتني جنبي المجد مذ شدت عليك المازر
إلـى ان بغـلـت الاربعـيـن فاسـنـدت إلــيك جمــاهـير الأمـور الأكابر
فـأحكمتها ، لا أنت في الحكم عاجز ولا أنت فيها عن هدى الحق جار
وقد كتب إليه السيد الشهير علي بن محمد الحبشي بأنه من تلاميذه و انه داخل تحت دائرته ، وان لم يشعر ، فبالغ في إنكار ذلك والتنصل منه ، و جرت بينهما في ذلك مكاتبات . وجرت بينه وبين علامة جاوا السيد عثمان بن عبد الله بن عقيل بن يحيى مناقضات في الأوتار لان الحداد كان يحضرها والسيد عثمان يتشدد في منعها ، وقد بسطت القول في (( بلابل التغريد )) عن هذه المسالة بما لا يوجد في سواه ، وكان يتواضع اشد التواضع بين يدي أستاذنا و أستاذه الأبر عيدروس بن عمر ، وتقدم إليه بأسئلة جزلة تدل على صدق حال وغزارة ماده ، فأجابه الاستاذ بافضل جواب . وقد كان ما اشتهر من محاسن هذا الحبيب و ملأ سمع الأرض و بصرها يملؤُ قلبي حسرة إذ لم يقدر لي الاجتماع به ، مع قدومه ذات مرة إلى سيون و أنـا موجود ، وقيل من زارها من أهل الفضل إلا عاج على والدي في مكانه (( علم بدر )) الذي أنجمع فيه بالاخره عن الناس ، بل لا يوجد من يتخلف عنه إلا من يتودد إلى طائفة باطريح الذي يصدون البسطاء من الناس عن سبيل سيدنا الاستاذ الأبر و والدي ومن على شاكلتهم ، خشية أن لا يروا عند احد منهم ما يزيد على فضل السيد علي بن محمد الحبشي ، الذي يحاولون حصر فائدة الجاه وفضل التفرد عليه ، ومعاذ الله أن يكون سيدي محمد بن طاهر هناك وهو الفحل لا يقرم انفه ، ولكني لا أتصور زيارته لوالدي مع أني لم أفارقه إلا للحج سنه 1332 وما كنت لأنسى زيارته لو كانت ، و انأ أحفظ كل مره من زاره من أهل العلم والصلاح منذ الرابعة من عمري ، لأنه يقدمني إليهم ليبركوا علي ويلبسوني لأقرا عليهم شيئا من القرآن أو حديث معاذ في العلم . وعل وصوله حضرموت صادف مرضي الشديد في سنه 1313 ، فان كان كذلك فقد انحل الأشكال , وبعد انصرافه من الهند انحدر إلى جاوا و أدركته المنية بإحدى مدنها في سنه 1316 عن أثنين و أربعين ربيعا ، فكان كما قال حبيب :
فـتى يبسط حب المكرمات بلحمه وخامره حق السماح وباطله
فتى جاءه مقداره واثنتا العلى يداه وعشر المكرمات انامله
فتى ينفح الأيام من طيب ذكره ثناء كان العبال الورد شامله
وعلى قبره من المهابة والجلالة ما يذكر بقول الأول :
على قبره بين القبور مهابه كما قبله كانت على صاحب القبر
وقد تقيض فريقه ، وانتهج طريقه ، ولده الفاضل علوي فلقد احيى قدته وأعاد جدته ، و أطال مدته و ابقي جوده ونجدته ، إذ لم طويل العماد كثير الرماد ، قريب البيت من الناد :
يـنـميه فـي قلل المكارم والعلي زهر لزهر ابوة وجدود
فرع من النبع الشريف إذا همو نسبوا وفلقة ذلك الجلمود
ويذكر أخوه الحسين بجود غزير وفضل كبير ، يأتي فيه بحق قول الشريف الرضي :
لو أن عين أبيه إليه ناظرة تعجب الأصل مما أثمر الطوف
أعاننا الله و إياهم على المروءة والجود بمنه وكرمه ، ومن الأسف ان تستأثر (( جاوا )) بأمثالهم مع فقر حضرموت إليهم ، ولكن الأمر كما قال حافظ :
كـم غادة في ظلام الليل باكية على اليف لها يهوى به الطلب
لولا طلاب العلى لم يبتغوا بدلا عن طيب رياك لكن العلي تعب
وكان السيد عبد الله بن طه بن عبد الله بن عمر بن علوي ، بن محمد الحداد يتردد من الحواي إلى قيدون ، ولهذا السيد أحوال غريبة ودعاء مستجاب ،يأخذه عند ذكر الموت حال عظيم يخرجه عن حسه ويذهب به هائما على وجهه . وعلى قريب من حاله كان ولده الداعي الى الله محمد المتوفي بسيوون اوائل سنه 1324 وكان عيشه على قدم التوكل ، و لا تخلو عصمته عن اربع زوجات .
و من ذرية السيد عبد الله بن طه بقيدون ، السيدان الجليلان : العابد الصالح الواعظ عبد الله بن طاهر ، و العلامة الجليل علوي بن طاهر علم علوم و نبراس فهوم ، و آثاره ناطقة ، و مؤلفاته شاهدة ، و لم أعرف مبلغ معرفته بالفقه إلا انه اختلف – من نحو ثلاثين عاما – هو والقاضي الشيخ عبد الله سعيد باجنيد في مسئله في الشفعة ، و كتب في ذلك رسالة أسهب فيها حتى انتهى إلى الثناء على السيد الفاضل حسن بن عبد الله الكاف ، ولما رفع إلي كلام الاثنين للنظر أظنني – والعهد بعيد – رجحت كلام القاضي ، فرأيت منه جفوه من حينئذ ما كان له أن يتحملها إذ لم يزل العلماء بين راد ومردود عليه ، لكن الإنصاف عزيز ، ولهذا لم أعمالها بمثلها كما يعرف الناس و إن انضم إلى ذلك اختلاف الآراء بشان الرابطة حسبما فصل بالأصل ، وكان على الإفتاء في بلاد جهور من ناحية الملايا ثم انفصل في أيام الحرب المشؤومة اليابانية . وسبب كونهم بقيدون ، ما أخبرني به قاضي الحوطة الأسبق الفاضل السيد عبدا لله بن حسين بن عبد الله الحبشي ، أن جده لامه (( شفا )) و هو السيد عبد الله بن طه بن عبد الله بن ط بن عمر بن علوي الحداد السابق ذكره تردده إلى هناك حمال معه ابنه طاهر ، فتزوج على الشريفة شفا بن عيسى أخت الحبيب عبد الرحمن بن عيسى الحبشي ، و أولدها عبد الله في سنه 1296 و علوي في سنه 1301 ، و في نفاسها به مرع ليه في قيدون عمه جعفر بن طه – الأتي ذكره في الحاوي – وقال له : ماذا تجلس بقيدون تضع من الأولاد فتعال معي إلى جاوا ، ففعل ، ومات بعد وصوله بشهر ونصف الشهر ، فعاشا في كنف أمهما و أبيها ، وكانت أم أعمامهم : محمد وحسن وعلي ، و هي سعديه بنت الحبيب محمد بن احمد بن جعفر بن احمد بن زين الحبشي ، تبعث لهم بالمواساة ، ولما يفع عبد الله نجع إليها بحوطه آل احمد بن زين ، فكفلته ، وكان يتردد على الغرفة للأخذ عن الاستاذ الأبر الحبيب عيدروس بن عمر ، ولما استغلظ علوي عليها أيضا فآوته ؛ إلا أنها شغلته بالخدمة حتى إنها لا تمكنه من حضور الروحة بالحوطه . هذا آخر كلام القاضي الفاضل عبد الله بن حسين، و أشهر أولاد عبد الله بن طه حالا ، وأعلاهم كعبا ، و أكثرهم جمالا ، هو شيخنا ، صاحب النفس الابيه ، والهمم العليه ، و الاريحيه ، كثير العبادة والتلاوة و الأذكار ، ظاهر السيادة و السعادة و الأنوار ، صالح بن عبد الله ، زرته بداره في نصاب آخر سنه 1349 فاجلني و أكرمني و البسني و أجازني ودعا لي بدعوات عظيمه .
وممن بقيدون من العلويين آل بافقيه ، وقد مر في الخريبه ذكر السيد أبي بكر بن محمد بافقيه و أثنى عليه شيخنا المشهور في ( شمس الظهيرة ) وقال انه توفى بقيدون في سنه 1053 ، وترجم له الشلي في (( مشرعه )) و أطنب في الثناء عليه وذكر له علما جما وفضلا كثيرا . وبقيدون جماعه من ذريه السيد عمر بن عبد الرحمن بن عقيل بن عبد الرحمن السقاف وهم آل باعقيل ، منهم السيد الصالح عبد الرحمن صاحب المشهد المعروف بـ (( صيف )) ،توفى منقرصا بـ ( بضه ) . ومنهم السيد عمر بن علوي باعقيل جمع ثروة طائلة بسربايا من ارض جاوا ولم ينس حق الله فيها من إعانة الضعيف وأغاثه الهيف ، و بقي مع كثرة أمواله على حاله من التواضع ، توفي بسربايا لعله في سنة 1328 وخلف أولادا منهم : محمد السابق خبره في الضليعة ، ومنهم احمد قتله السيد محمد بن عبد الله بن عمر البار ظهر النهار علنا وهو راكب سيارته في الطريق العام بسربايا ، ومنهم محسن وحسين ، وقد قامت بينهم منازعات تلفت فيها أكثر أموالهم . وسبق في خبر محمد أن خوانه دفعوا عنه بأمره خمسين ألف روبية للقعيطي وهي التي توفق إطلاقه من السجن على دفعها ، وقد تعهد بتسليم مقابلها و أعطاهم وثيقة بذلك في حال اختيار ورضا ، وعلق طلاق نسائه بالثلاث إن تأخر عن دفعها لهم مده معينه بعد القدرة ، وقد مضت المدة وهو رخي الخناق ، وبقى مع نسائه من دون عذر في الطل ، ولما وصلت سربايا في سنه 1349 سألني أصهاره من بني عمه فأفتيتهم بنفوذ الطلاق . ومنهم السيد النزهة النديم ، الخفيف النسيم ، صاحب النوادر اللطيفة ، والحالات الشريفة ، عبد القادر بن محمد السقاف و هو من المعمرين ، عاش في أكناف الأكابر وحظي باعتنائهم ، و صحة ولائهم ، وله داله عظيمة عليهم ، وكثيرا ما يمثل هياتهم و أصواتهم وقراءاتهم ، و كيفيات مشيهم وحركاتهم ، فيخفف من حسرتنا على عدم الاجتماع بكثير منهم كسيدي طاهر بن عمر الحداد و ابنه محمد ، وسادتي عمر بن هادون ، ومحمد بن صالح ، وعمر بن صالح ، و أمثالهم . وفي ذلك التمثيل نوع من الوصال ليس بالقليل ، وهو ألان بمكة المشرفة على ضيافة صاحب المروءة الشيخ عبد الله سرور الصبان احن الله جزاءه .
وفي قيدون جماعة من السادة آل الحبشي ، من آخرهم الفاضل العلامة الجيليل السيد عبد الرحمن بن عيسى الحبشي ، كان على قضائها في سنة 1329 وعنده علم غزير ، إلى تواضع كثير ، و نزاهة تامة ، وصدر واسع ، وجانب سهل .
وكان في قيدون الشيخ احمد بن سعيد باداهية يتعالم الناس باخبار كثيرة عن نجاحه في علاج الامراض بطبه العربي ، لولا انتهاءها إلى التواتر المعنوي لكذبناها لأنها مما تدهش العقول . وفي قيدون عدد ليس بالقليل من حفاظ كتاب الله تعالى ، وبينما انا مره عند السيد حسين بن حامد المحضار بالمكلا ورد شيخ من آل العمودي يقال له : باحسن ، عليه زي البادية فإذا به يحفظ كتاب الله تعالى ويجيد قراءته ، ولما اشتد إعجابي به قال لي العم حسين : لكنه سارق ، فسألته فقال : نعم إني لأحد جماعة من الحفاظ إذا كان من آخر الليل سرنا إلى الجامع نتدارس آيات القران بظهر الغيب . وما ادري أقال ذلك عن حقيقة أم مازحا ليوافق هوى الوالد حسين ، وقد تذكرت عند هذا ثلاثة أمور : ( الأول ) ما جاء في مسند الأمام احمد ونصه : حدثني عبد الله حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا الأعمش قال : انبانا أبو صالح عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : أن فلانا يصلى بالليل فإذا أصبح سرق ، قال : (( انه سينهاه ما تقول )) وهذا السند جيد .
( الثاني ) : لما كنت بسربايا في سنه 1349 حضر مجلسنا مقرئ أصله من مكة يقال له محمد ، فقرأ لنا حصة من الكتاب العزيز بصوت جميل كاد يقتلع قلبي من مكانه ، فطربت لذلك و أمرتهم بالاكتتاب له ، فقالوا : انه يضرب الخمر ، فقلت لهم : من أدرج كتاب الله بين جنبيه وحبره هذا التحبير لجدير أن لا يموت إلا على حسن الختام ، وذكرت الحديث ، فاكتتبوا له على قدر هممهم بنحو ثلاثمائة ربيه فقط . ( و الثالث ): قول النجاشي يهجو أهل الكوفة:
إذا سقى الله قوما صوب غادية فلا سقى الله اهل الكوفة المطرا
التاركين على طهر نساءهم والناكحين بشطي دجلة البقرا
والسارقين إذا ماجن ليلهم والدارسين إذا ما أصبحوا السورا
الق العداوة والبغضاء بينهم حتى يكونوا لمن عاداهم جزرا
وما أخاله في ذلك بارا ولا راشدا، وكيف يصدق وقد بلغ به الفسوق إلى انتهاك حرمه رمضان بالسكر في أول يوم منه، فحده مولانا علي بن أبي طالب وزاده عشرين في خبر طويل ذكره شارح النهج. وقد قال سفيان بن عيينة : خذوا الحلال والحرام عن أهل الكوفة .
ومن النوادر ما اخبرني به منصب المشهد السيد احمد بن حسين ان العبيد بدوعن – وفيهم كثرة لذلك العهد – يجتمعون ويتبعهم العتقاء لزيارة الشيخ سعيد بن عيسى في آخر جمعة من رجب ، ويدخلون والخطيب في خطبته بطبولهم ومزاميرهم ، فقام لهم مرة احد آل العمودي فكسرها عليهم ، وهموا بقتله لكنهم احترموه لان خاله الشيخ عمر بن عبد القادر العلامة المشهور الشبيه الحال بالشيخ عمر بامخرمه ، ولكنهم اجمعوا على الجلاء واجتمعوا بالسويدا – وهي نخيل قيدون – فقال بعضهم أن بالسويداء رجالا . وبينا هم معسكرون هناك للرحيل بقضهم وقضيضهم – وقد عجز اهل دوعن عن صدهم ، مع أن أكثر أعمالهم وخدمتهم متوقفة عليهم – إذْ جاء العلامة السيد علي بن حسن العاطاس فار إليهم – ومعه الشيخ محمد بن عبد القادر العمودي – و أعطاهم البن ليطبخوا القهوة ، و سألهم عن شانهم فاخبروه ، فقال لهم : ونحن لا تطيب لنا الأرض من بعدكم فسنرحل معا ، فقالوا اما أنهم فلا يمكن يسير بهم ، فقال : لابد من السفر معا أو الإقامة معا .
هي من قدامى البلاد ، و هي موطن الشيخ الكبير سعيد بن عيسى العمودي ، و هو و الفقيه المقدم أول م سلك طريق التصوف بحضرموت ، و قد ترجمه غير واحد من أهل العلم كالشرجي في (( طبقاته )) و اليافعي في (( تاريخه )) و صاحب (( المشرع )) و عبد الله بازرعة ، و ممن ألف في مناقبه الشيخ علي بن عبدا لله باعكابه الهينني و الشيخ عبد الله باسودان ، و كان صادعا بالحق لا يخاف فيه لومة لائم ، وكان كثير التردد على حضرموت حتى لقد قال السيد علي بن حسن العطاس في كتابه (( القرطاس )) : لا اله إلا الله عدد خروج الشيخ سعيد بن عيسى العمودي إلى حضرموت ، ولم يزل يسلك الطالبين ويوصل الراغبين إلى أن توفى بقيدون سنة 671 هـ .
و خلفه على منصبه ولده الشيخ محمد بن سعيد ، وما زال أبناءه يتوارثون منصبه حتى انتهى إلى دولة ورئاسة دنيويه ، فاختلفوا وانقسموا – كما سبق في بضه – وجرت بينهم وبين آل فارس النهديين وبينهم وبين السلطان بدر بوطويرق الكثيري حروب ، وتقلبت بقيدون الأحوال حتى لقد خربت حوالي سنه 948 من كثرة ما اخذ بدر بوطويرق الكثيري من أهلها من الضرائب ، ولم يبق فيها إلا ستة ديار وهرب الباقون من أهلها إلى صيف ، وهنا شاهد على ان صيف لم تكن إذ ذاك في حوزته ، وجرت بين آل العمودي و أعقاب بدر إلى أيام السلطان عمر بن جعفر الكثيري – المتوفي بعمان أوائل القرن الثاني عشر – أحوال كثيرة ذكرنا بالأصل نتفاً منها كافية للتعريف .
و قد أنجبت قيدون كثيرا من العلماء والفضلاء ، وكان السيد يوسف بن عابد الحسني – احد تلاميذ الشيخ أبي بكر بن سالم – يدرس بها علم التوحيد أوائل القرن الحادي عشر . ومن علمائها في القرن العاشر الشيخ محمد بن عمر معلم، له ذكر في مجموع الأجداد، و منهم الشيخ عبد الله بن سعيد العمودي في أيام القطب الحداد، و قد امتحنه بشرح خطبه معقده فشرحها شرحا جميلا قضى له فيه القطب الحداد بالنجاح. و فيها من ذرية السيد محمد بن عبد الله بن علوي الحداد : الفاضل الصالح الحسن الخط عمر بن أبي بكر المتوفي بها ، وخلفه إبنه الناسك الكريم طاهر بن عمر الحداد المتوفي بها سنه 1319 ، كان آيه في حفظ القران ، و كانت في لسانه حبسه شدده ، حتى لقد أراد أن يعقد الإحدى بناته فلم ينطلق لسانه إلا بعد إفراغ الطعام و كانت العاده و السنه تقديم العقد عليه ، فلم يؤخره إلا اضطرارا ، و لكنه متى شرع في القراءة في الصلاة أو خارجها اندفع بسرعة السهام المرسلة . ولما مات ولده محمد تحاشى الناس عن إخباره لأنه الأمر العظيم، لكنه لم يظهر – بعد ما اخبروه – إلا بأكمل ما يكون من مظاهر الرضا التام فلم ينزعج ، ولم يتغير ، ولم يحل حبوته و زاد على الاسترجاع و الاستغفار للفقيد والترحم عليه فذكرت ما رواه أبو نعيم وغيره انه لما مات عمر بن ذر جاء أهله يبكون إلى أبيه فقال لهم : مالكم أنا والله ما ظلمنا ولا قهرنا ولا ذهب لنا بحق ولا اخطئ بنا ولا أريد غيرنا ومالنا على معتب ، فلما وضعه في قبره قال : رحمك الله يا بني لقد كنت بي باراً وكنت عليك شفيقا وما بي من وحشه ولا الى احد بعد الله فاقه ولا ذهبت لنا بعز ولا أبقيت علينا من ذل ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك .. يا ذر لولا هول المطلع لتمنيت ما صرت إليه ليت شعري يا ذر ماذا قيل لك وماذا قلت.
وكذلك الحبيب طاهر لم يزل على الترحم على ولده ولاستغفار له. أما ولده محمد بن طاهر الحداد فقد كان طود المجد الراسخ ، وركن الشرف الشامخ ، تتحير الفصحاء في اخبراه و تندق أعناق الجياد في مضماره :
مـنـتـقل من سـؤدد فـي سـؤدد مـثـل الــهـلال جـرى إلـى اسـتكماله
ولم يزل يتوقل إلى العلى و يتسنم معارج الغرف :
ويـبـيت يـحـمل بـالمكـارم و الـعـلى حـتى يـكون المـجد جـل مـنـامه
لا يصعد قله إلا ارتقى ذراها ثم اندفع إلى ما وراءها
ما زال يـسـبـق حـتـى قـال حـاسـده لـه طـريـق إلى العـلـياء مـخـتـصـر
ينقطع دونه الكلام و تتحير في وصفه الأقلام:
لام أجر غاية فكي منه في صفه إلاَّ وجـدت مـداهـا غـاية الأبـــد
له همم تنفسخ منها الجبال فضلا عن قوائم الرجال :
هـمـة تـنـطح الـنـجوم بـروقـيـ ـهـا وعـزُّ يـقــلـقـل الاجـبالا
وقد بلغ من شهامته وكبر همته انه كان يحاول إغناء العلويين بحضرموت من أدناها إلى أقصاها مع ما تحمله من الديون التي أثقلت كاهلها ، أشار عليه أبوه – من اجلها – أن يتوجه إلى حيدر آباد ، و كان له بها قدر عظيم ، وشان فخيم ، وأسلم على يده كثير من الناس ، إلا انه كان بين جنبيه نفس عظيمه غالى بها من الكرام حتى لم يكن الطغرائي إلا كالسوقه في جنب الملوك ، حيث يقول :
غـالى بنـفـسـي عرفـاني بـقيـمتـها فـصـنـتـهـا عـن رخـيص القدر مبتذل
فوقع بذلك وبموافقته للعلامتين : أبي بكر بن شهاب و محمد بن عقيل في الإعراض عن السلطان عوض بن عمر القعيطي ، بعد أن لاقاه واستعد لإنزاله في قصره ، و عمل لقدومه ضيافة عظيمة ، فتركها ، وكان في ذلك تمهيد السبيل لمن كان يحسده من العلويين ، ففتلوا في الذرى و الغوارب لفشله ، فلم يقع له ما يروم من أمله ، ولم يتيسر قضاء دينه إلا بعد انقضاء اجله . و منهم – حسبما يتعالم الناس – حسين و حسين و أبو حسين. و لا ادري كم كان عدد العلويين يومئذٍ بحضرموت ؟ . أمّا في زمان القطب الحداد فقد ذكر ابن حميد في (( تاريخه )) أنها وصلت دراهم من الهند للعلويين فأمر الحداد بإحصائهم في سنه 1118 هـ فبلغوا نحو ألفين بعد الصغار و الكبار و الذكور و الإناث ، من السوم شرقا إلى هينن غربا ، و العجب أنهم لم يدخلوا دوعن مع أنهم من حضرموت ، فلعل الدراهم مخصوصة بأهل هذه الناحية و إلا أشكل الأمر . و أما في سنه 1202 فقد بلغ عددهم عشرة آلاف ، إذ جاءت صله صاحب المغرب ودفعوا لمن بدوعن ومن بالشحر ومن بأسفل حضرموت حسبما فصلناه بالجزء الأول من الأصل . وفي حدود سنة 1311 اصفق العلويون ، ومنهم سيدنا الاستاذ الأبر فمن دونه ، على تقديم صاحب الترجمة السيد محمد بن طاهر الحداد ، فوضعوا في كفه لواء نقابتهم و على رأسه عصابة شرفهم ، و على منطبه رداء زعامتهم ، واسجلوا له بذلك على انفسهم ، وكتبروا بذلك عهدا وثيقا ، فكان كما قال ذو الرمه :
وما زِلْتَ تَـسْـمُـو للـمـعـالي و تـجتني جنبي المجد مذ شدت عليك المازر
إلـى ان بغـلـت الاربعـيـن فاسـنـدت إلــيك جمــاهـير الأمـور الأكابر
فـأحكمتها ، لا أنت في الحكم عاجز ولا أنت فيها عن هدى الحق جار
وقد كتب إليه السيد الشهير علي بن محمد الحبشي بأنه من تلاميذه و انه داخل تحت دائرته ، وان لم يشعر ، فبالغ في إنكار ذلك والتنصل منه ، و جرت بينهما في ذلك مكاتبات . وجرت بينه وبين علامة جاوا السيد عثمان بن عبد الله بن عقيل بن يحيى مناقضات في الأوتار لان الحداد كان يحضرها والسيد عثمان يتشدد في منعها ، وقد بسطت القول في (( بلابل التغريد )) عن هذه المسالة بما لا يوجد في سواه ، وكان يتواضع اشد التواضع بين يدي أستاذنا و أستاذه الأبر عيدروس بن عمر ، وتقدم إليه بأسئلة جزلة تدل على صدق حال وغزارة ماده ، فأجابه الاستاذ بافضل جواب . وقد كان ما اشتهر من محاسن هذا الحبيب و ملأ سمع الأرض و بصرها يملؤُ قلبي حسرة إذ لم يقدر لي الاجتماع به ، مع قدومه ذات مرة إلى سيون و أنـا موجود ، وقيل من زارها من أهل الفضل إلا عاج على والدي في مكانه (( علم بدر )) الذي أنجمع فيه بالاخره عن الناس ، بل لا يوجد من يتخلف عنه إلا من يتودد إلى طائفة باطريح الذي يصدون البسطاء من الناس عن سبيل سيدنا الاستاذ الأبر و والدي ومن على شاكلتهم ، خشية أن لا يروا عند احد منهم ما يزيد على فضل السيد علي بن محمد الحبشي ، الذي يحاولون حصر فائدة الجاه وفضل التفرد عليه ، ومعاذ الله أن يكون سيدي محمد بن طاهر هناك وهو الفحل لا يقرم انفه ، ولكني لا أتصور زيارته لوالدي مع أني لم أفارقه إلا للحج سنه 1332 وما كنت لأنسى زيارته لو كانت ، و انأ أحفظ كل مره من زاره من أهل العلم والصلاح منذ الرابعة من عمري ، لأنه يقدمني إليهم ليبركوا علي ويلبسوني لأقرا عليهم شيئا من القرآن أو حديث معاذ في العلم . وعل وصوله حضرموت صادف مرضي الشديد في سنه 1313 ، فان كان كذلك فقد انحل الأشكال , وبعد انصرافه من الهند انحدر إلى جاوا و أدركته المنية بإحدى مدنها في سنه 1316 عن أثنين و أربعين ربيعا ، فكان كما قال حبيب :
فـتى يبسط حب المكرمات بلحمه وخامره حق السماح وباطله
فتى جاءه مقداره واثنتا العلى يداه وعشر المكرمات انامله
فتى ينفح الأيام من طيب ذكره ثناء كان العبال الورد شامله
وعلى قبره من المهابة والجلالة ما يذكر بقول الأول :
على قبره بين القبور مهابه كما قبله كانت على صاحب القبر
وقد تقيض فريقه ، وانتهج طريقه ، ولده الفاضل علوي فلقد احيى قدته وأعاد جدته ، و أطال مدته و ابقي جوده ونجدته ، إذ لم طويل العماد كثير الرماد ، قريب البيت من الناد :
يـنـميه فـي قلل المكارم والعلي زهر لزهر ابوة وجدود
فرع من النبع الشريف إذا همو نسبوا وفلقة ذلك الجلمود
ويذكر أخوه الحسين بجود غزير وفضل كبير ، يأتي فيه بحق قول الشريف الرضي :
لو أن عين أبيه إليه ناظرة تعجب الأصل مما أثمر الطوف
أعاننا الله و إياهم على المروءة والجود بمنه وكرمه ، ومن الأسف ان تستأثر (( جاوا )) بأمثالهم مع فقر حضرموت إليهم ، ولكن الأمر كما قال حافظ :
كـم غادة في ظلام الليل باكية على اليف لها يهوى به الطلب
لولا طلاب العلى لم يبتغوا بدلا عن طيب رياك لكن العلي تعب
وكان السيد عبد الله بن طه بن عبد الله بن عمر بن علوي ، بن محمد الحداد يتردد من الحواي إلى قيدون ، ولهذا السيد أحوال غريبة ودعاء مستجاب ،يأخذه عند ذكر الموت حال عظيم يخرجه عن حسه ويذهب به هائما على وجهه . وعلى قريب من حاله كان ولده الداعي الى الله محمد المتوفي بسيوون اوائل سنه 1324 وكان عيشه على قدم التوكل ، و لا تخلو عصمته عن اربع زوجات .
و من ذرية السيد عبد الله بن طه بقيدون ، السيدان الجليلان : العابد الصالح الواعظ عبد الله بن طاهر ، و العلامة الجليل علوي بن طاهر علم علوم و نبراس فهوم ، و آثاره ناطقة ، و مؤلفاته شاهدة ، و لم أعرف مبلغ معرفته بالفقه إلا انه اختلف – من نحو ثلاثين عاما – هو والقاضي الشيخ عبد الله سعيد باجنيد في مسئله في الشفعة ، و كتب في ذلك رسالة أسهب فيها حتى انتهى إلى الثناء على السيد الفاضل حسن بن عبد الله الكاف ، ولما رفع إلي كلام الاثنين للنظر أظنني – والعهد بعيد – رجحت كلام القاضي ، فرأيت منه جفوه من حينئذ ما كان له أن يتحملها إذ لم يزل العلماء بين راد ومردود عليه ، لكن الإنصاف عزيز ، ولهذا لم أعمالها بمثلها كما يعرف الناس و إن انضم إلى ذلك اختلاف الآراء بشان الرابطة حسبما فصل بالأصل ، وكان على الإفتاء في بلاد جهور من ناحية الملايا ثم انفصل في أيام الحرب المشؤومة اليابانية . وسبب كونهم بقيدون ، ما أخبرني به قاضي الحوطة الأسبق الفاضل السيد عبدا لله بن حسين بن عبد الله الحبشي ، أن جده لامه (( شفا )) و هو السيد عبد الله بن طه بن عبد الله بن ط بن عمر بن علوي الحداد السابق ذكره تردده إلى هناك حمال معه ابنه طاهر ، فتزوج على الشريفة شفا بن عيسى أخت الحبيب عبد الرحمن بن عيسى الحبشي ، و أولدها عبد الله في سنه 1296 و علوي في سنه 1301 ، و في نفاسها به مرع ليه في قيدون عمه جعفر بن طه – الأتي ذكره في الحاوي – وقال له : ماذا تجلس بقيدون تضع من الأولاد فتعال معي إلى جاوا ، ففعل ، ومات بعد وصوله بشهر ونصف الشهر ، فعاشا في كنف أمهما و أبيها ، وكانت أم أعمامهم : محمد وحسن وعلي ، و هي سعديه بنت الحبيب محمد بن احمد بن جعفر بن احمد بن زين الحبشي ، تبعث لهم بالمواساة ، ولما يفع عبد الله نجع إليها بحوطه آل احمد بن زين ، فكفلته ، وكان يتردد على الغرفة للأخذ عن الاستاذ الأبر الحبيب عيدروس بن عمر ، ولما استغلظ علوي عليها أيضا فآوته ؛ إلا أنها شغلته بالخدمة حتى إنها لا تمكنه من حضور الروحة بالحوطه . هذا آخر كلام القاضي الفاضل عبد الله بن حسين، و أشهر أولاد عبد الله بن طه حالا ، وأعلاهم كعبا ، و أكثرهم جمالا ، هو شيخنا ، صاحب النفس الابيه ، والهمم العليه ، و الاريحيه ، كثير العبادة والتلاوة و الأذكار ، ظاهر السيادة و السعادة و الأنوار ، صالح بن عبد الله ، زرته بداره في نصاب آخر سنه 1349 فاجلني و أكرمني و البسني و أجازني ودعا لي بدعوات عظيمه .
وممن بقيدون من العلويين آل بافقيه ، وقد مر في الخريبه ذكر السيد أبي بكر بن محمد بافقيه و أثنى عليه شيخنا المشهور في ( شمس الظهيرة ) وقال انه توفى بقيدون في سنه 1053 ، وترجم له الشلي في (( مشرعه )) و أطنب في الثناء عليه وذكر له علما جما وفضلا كثيرا . وبقيدون جماعه من ذريه السيد عمر بن عبد الرحمن بن عقيل بن عبد الرحمن السقاف وهم آل باعقيل ، منهم السيد الصالح عبد الرحمن صاحب المشهد المعروف بـ (( صيف )) ،توفى منقرصا بـ ( بضه ) . ومنهم السيد عمر بن علوي باعقيل جمع ثروة طائلة بسربايا من ارض جاوا ولم ينس حق الله فيها من إعانة الضعيف وأغاثه الهيف ، و بقي مع كثرة أمواله على حاله من التواضع ، توفي بسربايا لعله في سنة 1328 وخلف أولادا منهم : محمد السابق خبره في الضليعة ، ومنهم احمد قتله السيد محمد بن عبد الله بن عمر البار ظهر النهار علنا وهو راكب سيارته في الطريق العام بسربايا ، ومنهم محسن وحسين ، وقد قامت بينهم منازعات تلفت فيها أكثر أموالهم . وسبق في خبر محمد أن خوانه دفعوا عنه بأمره خمسين ألف روبية للقعيطي وهي التي توفق إطلاقه من السجن على دفعها ، وقد تعهد بتسليم مقابلها و أعطاهم وثيقة بذلك في حال اختيار ورضا ، وعلق طلاق نسائه بالثلاث إن تأخر عن دفعها لهم مده معينه بعد القدرة ، وقد مضت المدة وهو رخي الخناق ، وبقى مع نسائه من دون عذر في الطل ، ولما وصلت سربايا في سنه 1349 سألني أصهاره من بني عمه فأفتيتهم بنفوذ الطلاق . ومنهم السيد النزهة النديم ، الخفيف النسيم ، صاحب النوادر اللطيفة ، والحالات الشريفة ، عبد القادر بن محمد السقاف و هو من المعمرين ، عاش في أكناف الأكابر وحظي باعتنائهم ، و صحة ولائهم ، وله داله عظيمة عليهم ، وكثيرا ما يمثل هياتهم و أصواتهم وقراءاتهم ، و كيفيات مشيهم وحركاتهم ، فيخفف من حسرتنا على عدم الاجتماع بكثير منهم كسيدي طاهر بن عمر الحداد و ابنه محمد ، وسادتي عمر بن هادون ، ومحمد بن صالح ، وعمر بن صالح ، و أمثالهم . وفي ذلك التمثيل نوع من الوصال ليس بالقليل ، وهو ألان بمكة المشرفة على ضيافة صاحب المروءة الشيخ عبد الله سرور الصبان احن الله جزاءه .
وفي قيدون جماعة من السادة آل الحبشي ، من آخرهم الفاضل العلامة الجيليل السيد عبد الرحمن بن عيسى الحبشي ، كان على قضائها في سنة 1329 وعنده علم غزير ، إلى تواضع كثير ، و نزاهة تامة ، وصدر واسع ، وجانب سهل .
وكان في قيدون الشيخ احمد بن سعيد باداهية يتعالم الناس باخبار كثيرة عن نجاحه في علاج الامراض بطبه العربي ، لولا انتهاءها إلى التواتر المعنوي لكذبناها لأنها مما تدهش العقول . وفي قيدون عدد ليس بالقليل من حفاظ كتاب الله تعالى ، وبينما انا مره عند السيد حسين بن حامد المحضار بالمكلا ورد شيخ من آل العمودي يقال له : باحسن ، عليه زي البادية فإذا به يحفظ كتاب الله تعالى ويجيد قراءته ، ولما اشتد إعجابي به قال لي العم حسين : لكنه سارق ، فسألته فقال : نعم إني لأحد جماعة من الحفاظ إذا كان من آخر الليل سرنا إلى الجامع نتدارس آيات القران بظهر الغيب . وما ادري أقال ذلك عن حقيقة أم مازحا ليوافق هوى الوالد حسين ، وقد تذكرت عند هذا ثلاثة أمور : ( الأول ) ما جاء في مسند الأمام احمد ونصه : حدثني عبد الله حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا الأعمش قال : انبانا أبو صالح عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : أن فلانا يصلى بالليل فإذا أصبح سرق ، قال : (( انه سينهاه ما تقول )) وهذا السند جيد .
( الثاني ) : لما كنت بسربايا في سنه 1349 حضر مجلسنا مقرئ أصله من مكة يقال له محمد ، فقرأ لنا حصة من الكتاب العزيز بصوت جميل كاد يقتلع قلبي من مكانه ، فطربت لذلك و أمرتهم بالاكتتاب له ، فقالوا : انه يضرب الخمر ، فقلت لهم : من أدرج كتاب الله بين جنبيه وحبره هذا التحبير لجدير أن لا يموت إلا على حسن الختام ، وذكرت الحديث ، فاكتتبوا له على قدر هممهم بنحو ثلاثمائة ربيه فقط . ( و الثالث ): قول النجاشي يهجو أهل الكوفة:
إذا سقى الله قوما صوب غادية فلا سقى الله اهل الكوفة المطرا
التاركين على طهر نساءهم والناكحين بشطي دجلة البقرا
والسارقين إذا ماجن ليلهم والدارسين إذا ما أصبحوا السورا
الق العداوة والبغضاء بينهم حتى يكونوا لمن عاداهم جزرا
وما أخاله في ذلك بارا ولا راشدا، وكيف يصدق وقد بلغ به الفسوق إلى انتهاك حرمه رمضان بالسكر في أول يوم منه، فحده مولانا علي بن أبي طالب وزاده عشرين في خبر طويل ذكره شارح النهج. وقد قال سفيان بن عيينة : خذوا الحلال والحرام عن أهل الكوفة .
ومن النوادر ما اخبرني به منصب المشهد السيد احمد بن حسين ان العبيد بدوعن – وفيهم كثرة لذلك العهد – يجتمعون ويتبعهم العتقاء لزيارة الشيخ سعيد بن عيسى في آخر جمعة من رجب ، ويدخلون والخطيب في خطبته بطبولهم ومزاميرهم ، فقام لهم مرة احد آل العمودي فكسرها عليهم ، وهموا بقتله لكنهم احترموه لان خاله الشيخ عمر بن عبد القادر العلامة المشهور الشبيه الحال بالشيخ عمر بامخرمه ، ولكنهم اجمعوا على الجلاء واجتمعوا بالسويدا – وهي نخيل قيدون – فقال بعضهم أن بالسويداء رجالا . وبينا هم معسكرون هناك للرحيل بقضهم وقضيضهم – وقد عجز اهل دوعن عن صدهم ، مع أن أكثر أعمالهم وخدمتهم متوقفة عليهم – إذْ جاء العلامة السيد علي بن حسن العاطاس فار إليهم – ومعه الشيخ محمد بن عبد القادر العمودي – و أعطاهم البن ليطبخوا القهوة ، و سألهم عن شانهم فاخبروه ، فقال لهم : ونحن لا تطيب لنا الأرض من بعدكم فسنرحل معا ، فقالوا اما أنهم فلا يمكن يسير بهم ، فقال : لابد من السفر معا أو الإقامة معا .